ابن أبي أصيبعة
16
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
وسيل البول والانتفاخ وغير ذلك من العلامات العامة ولم يخطئ مرة في تقدير علامة من علامات هذه الأمراض . . . أما علمه بالعلاج ووسائله فهو أيضا مدهش حقا وعلاجه في أكثر الأحوال ينطبق على العقل ويدل على فهم للمرض وأثر العلاجات المختلفة فيه . وهذه الرسالة تدل على مهارة صاحبها في الطب وتدلنا على عبقريته الفذة مع بواكير الحضارة القديمة ويتبين لنا مدى تفوقه في الجراحة والتشريح كما بين لنا ذلك الدكتور محمد كامل حسين رحمه اللّه . . . وكانت للمصريين مهارة معروفة في التحنيط والتشريح والجراحة ذلك أنهم كانوا يحنطون جثث الموتى من الناس والحيوانات « 1 » . . وفي المومياءات الباقية آثار عمليات جراحية كبيرة منها مثلا عملية في محجر ضرس في الفك الأدنى قد ثقب لاستخراج الصديد من خراج كان فيه . وكذلك كان الختان معروفا عندهم ، وكانوا يعتقدون أنه يمنع عددا من الأمراض . . وعرف المصريون أن الشرايين والأوردة تتوزع من القلب ولكن أساءوا فهم الوظيفة التي تقوم بها المجارى الدموية . . . وقد وصل إلينا كتاب في الجراحة ، من نحو عام 2000 ق . م فيه ذكر للدماغ وأنه يسيطر على أطراف البدن ، فإذا أصيب الدماغ بأذى في مغرز متصل بأحد تلك الأطراف لحق بذلك الطرف ضرر . وقد استعمل أطباء مصر العديد من العقاقير النباتية والمعدنية فعرفوا الأعشاب الطبية والفواكه والخضروات المفيدة كما استخدموا أملاح النحاس والقصدير في علاجاتهم المختلفة ، ولكنهم كانوا يركزون على الأعشاب في صنع العقاقير الطبية كما استخدموا المراهم المختلفة كعلاج لبعض الأمراض الجلدية . الطب في وادى الرافدين ( ما بين النهرين ) : . . كان الطب القديم عند البابليين يشوبه شئ من الكهانة والسحر لأن المرض عندهم كان يعتبر عقابا إلهيا على ذنوب ارتكبها المريض ، ولذلك لم يكن أحد ليحاسب الكاهن أو الساحر على أي خطأ قد يرتكبه في علاج مرضاه ، بينما يعاقب الطبيب الجراح الذي يخطئ في علاجاته وجراحاته لأنه يعمل بيديه لا بقوة كهنوتية أو سحرية كما يفعل السحرة والكهنة . فشريعة حمورابي تنص على أن الجراح إذا ما استعمل مشرطه
--> ( 1 ) فروخ ، عمر ، تاريخ العلوم عند العرب ، دار العلم للملايين ، بيروت 1984 ، ص 85 .